الشوكاني
11
فتح القدير
قوله ( وجاءوا أباهم عشاء يبكون ) عشاء منتصب على الظرفية ، وهو آخر النهار ، وقيل في الليل ، ويبكون في محل نصب على الحال : أي باكين أو متباكين لأنهم لم يبكوا حقيقة ، بل فعلوا فعل من يبكي ترويجا لكذبهم وتنفيقا لمكرهم وغدرهم ، فلما وصلوا إلى أبيهم ( قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق ) أي نتسابق في العدو أو في الرمي ، وقيل ننتضل ، ويؤيده قراءة ابن مسعود " ننتضل " قال الزجاج : وهو نوع من المسابقة . وقال الأزهري : النضال في السهام . والرهان في الخيل ، والمسابقة تجمعهما . قال القشيري : نستبق ، أي في الرمي أو على الفرس أو على الأقدام . والغرض من المسابقة التدرب بذلك في القتال ( وتركنا يوسف عند متاعنا ) أي عند ثيابنا ليحرمها ( فأكله الذئب ) الفاء للتعقيب : أي أكله عقب ذلك . وقد اعتذروا عليه بما خافه سابقا عليه ، ورب كلمة تقول لصاحبها دعني ( وما أنت بمؤمن لنا ) بمصدق لنا في هذا العذر الذي أبدينا ، والكلمة التي قلناها ( ولو كنا ) عندك أو في الواقع ( صادقين ) لما قد علق بقلبك من التهمة لنا في ذلك مع شدة محبتك له . قال الزجاج : والمعنى ولو كنا عندك من أهل الثقة والصدق ما صدقتنا في هذه القضية لشدة محبتك ليوسف . وكذا ذكره ابن جرير وغيره ( وجاءوا على قميصه بدم كذب ) على قميصه في محل نصب على الظرفية : أي جاءوا فوق قميصه بدم ، ووصف الدم بأنه كذب مبالغة كما هو معروف في وصف اسم العين باسم المعنى ، وقيل المعنى : بدم ذي كذب أو بدم مكذوب فيه . وقرأ الحسن وعائشة " بدم كدب " بالدال المهملة : أي بدم طري ، يقال للدم الطري كدب . وقال الشعبي : إنه المتغير ، والكذب أيضا البياض الذي يخرج في أظفار الأحداث ، فيجوز أن يكون شبه الدم في القميص بالبياض الذي يخرج في الظفر من جهة اللونين . وقد استدل يعقوب على كذبهم بصحة القميص . وقال لهم : متى كان هذا الذئب حكيما يأكل يوسف ولا يخرق القميص ؟ ثم ذكر الله سبحانه ما أجاب به يعقوب عليهم فقال ( قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا ) أي زينت وسهلت . قال النيسابوري : التسويل تقرير في معنى النفس مع الطمع في تمامه . وهو تفعيل من السول وهو الأمنية . قال الأزهري : وأصله مهموز غير أن العرب استثقلوا فيه الهمزة ( فصبر جميل ) قال الزجاج : أي فشأني أو الذي أعتقده صبر جميل . وقال قطرب : أي فصبري صبر جميل ، وقيل فصبر جميل أولى بي . قيل والصبر الجميل هو الذي لا شكوى معه . قال الزجاج : قرأ عيسى بن عمر فيما زعم سهل بن يوسف " فصبرا جميلا " قال : وكذا في مصحف أنس . قال المبرد : فصبر جميل بالرفع أولى من النصب . لأن المعنى : قال رب عندي صبر جميل ، وإنما النصب على المصدر أي فلأصبرن صبرا جميلا . قال الشاعر : شكا إلي جملي طول السرى * صبرا جميلا فكلانا مبتلى ( والله المستعان ) أي المطلوب منه العون ( على ما تصفون ) أي على إظهار حال ما تصفون ، أو على احتمال ما تصفون ، وهذا منه عليه السلام إنشاء لا إخبار . وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( أرسله معنا غدا نرتع ونلعب ) قال : نسعى وننشط ونلهو . وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والسلفي في الطيوريات عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لا تلقنوا الناس فيكذبوا ، فإن بني يعقوب لم يعلموا أن الذئب يأكل الناس ، فلما لقنهم أبوهم كذبوا ، فقالوا أكله الذئب " . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله